أدبأدب وشعرالثقافة والفنونثقافةخاطرةفنفنونمجلة الأديب العربيمقالاتنثر

لست طائرا.. لكني أرفض العيش دون أجنحة

عصيان الجاذبية: فلسفة الأجنحة التي لا ترى

بقلم: باهر رجب

لست طائرا
لست طائرا

بين قانون الجاذبية الذي يشد أجسادنا إلى الطين، ونداء السماء الذي يستحث أرواحنا نحو الضياء، تولد معركة الوجود الحقيقية. نحن الكائنات التي تمشي على اثنين، بظهر محني أحيانا تحت أثقال الواقع، لكننا نملك في أعماقنا “تمردا” سماويا لا يهدأ.

“لا أعرف سر الطيران، ولا أمتلك مهارة الطيور.. لكني أعلم أن روحي تأبى أن تعيش بلا أجنحة.”

مقالات ذات صلة

هذه الكلمات ليست مجرد عبارة شاعرية، بل هي بيان استقلال الذات عن المحدودية البيولوجية. إنها اعتراف صريح بأن الإنسان، رغم افتقاره للريش والقدرة على خرق الهواء جسديا، يرفض أن يظل “كائنا أرضيا” بامتياز.

اقرأ أيضا

لغز التحليق: ما وراء الريش

إن “سر الطيران” الذي يمتلكه الصقر أو اليمام هو هبة من الطبيعة، ميكانيكا دقيقة تجمع بين خفة العظم وقوة العضل. لكن الطيران الإنساني من نوع آخر، إنه طيران المعنى.
نحن لا نطير لأننا نتقن فن التعامل مع الرياح، بل نطير لأننا نرفض السقوط في فخ العادي و المتكرر. الأجنحة التي تقصدها الروح هي:

– أجنحة الخيال: التي تأخذنا إلى عوالم لم تفتح أبوابها بعد.

– أجنحة المعرفة: التي تكسر قيود الجهل وتجعلنا نرى الأفق من زوايا أوسع.

– أجنحة الأمل: التي تمنعنا من الارتطام بقاع اليأس عندما تنكسر بنا الأيام.

اقرأ أيضا 

كبرياء الروح في مواجهة القيد

لماذا تأبى الروح أن تعيش بلا أجنحة؟ لأن الحياة دون “تحليق” هي مجرد عملية بقاء بيولوجي. الطيور تطير لتبحث عن طعام أو لتهاجر من برد الشتاء، أما الإنسان فيطير ليبحث عن نفسه.
إن الروح التي ترفض القيد هي تلك التي تدرك أن السجن الحقيقي ليس في القضبان، بل في القناعة بالبقاء على الأرض بينما تتسع السماء للأحلام. نحن نمتلك “مهارة” أعظم من مهارة الطيور. نحن نمتلك القدرة على خلق الفضاء الذي نطير فيه، حتى لو كنا في زنزانة ضيقة أو تحت وطأة ظروف قاهرة.

اقرأ أيضا

مفارقة الوجود: أقدام ثابتة وأحلام مهاجرة

من المضحك و المبكي في آن، أن الإنسان يقضي عمره يحاول التوفيق بين قدميه اللتين تحبان استقرار الأرض، وروحه التي تعشق اضطراب الغيوم. هذا التمزق هو الذي صنع الحضارة:
– لأننا لم نملك أجنحة، اخترعنا الطائرات.
– لأن رؤيتنا محدودة، صنعنا التلسكوبات لنسافر بين النجوم.
– لأن أرواحنا ضاقت بالواقع، كتبنا الروايات و رسمنا اللوحات.
الحقيقة الكبرى هي أننا لسنا بحاجة لتعلم فيزيائية الطيران ما دمنا نتقن كيمياء الإرادة. فالريش قد يسقط، والعضلات قد تذبل، لكن الروح التي قررت أن “تحلق” تظل معلقة في الفضاء الرحب، عصية على السقوط، بعيدة عن منال الجاذبية.
إن مهارة الطيور غريزة، أما أجنحة الروح فهي خيار. ونحن نختار، كل يوم، ألا نمشي على الأرض إلا لنقفز منها نحو شيء أبعد، وأجمل، وأكثر حرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى